غريغوريوس الملطي ( ابن العبري )

55

تاريخ مختصر الدول

واما في صورة القياس وصورة قياس القياس فأمر قد كددنا في طلبه مدة من العمر حتى استنبطناه . وكان لا يفتر عن الدرس والمطالعة إلَّا عسى عند النوم . وكان إذا سئل لا يبادر الجواب إلا بعد الفكر . ولا قصد في البحث إلا الحق دون الغلبة . وكان يقول في إبطاله التناسخ : أفلاطون صديق والحق أيضا صديق فإذا لحظتهما كان اختياري وإكرامي للحق . وكان إذا شعر بتقصير من نفسه لم يستنكف من أن يدفعه . وكان معتدلا في الملابس والمأكل والمشرب والمنكح والحركات . ومات وله ثمان وستون سنة . وخلَّف ابنا وابنة صغيرة وخلف مالا كثيرا . واعلم وفّقك الله ان الحكماء الذين نظروا في أصول الموجودات دهريّون وطبيعيّون وإلهيّون . فأما الدهريون فهم فرقة قدماء جحدوا الصانع المدبّر للعالم وقالوا ان العالم لم يزل موجودا بنفسه لم يكن له صانع صنعه . والطبيعيون فهم قوم بحثوا عن أفعال [ 1 ] الطبائع وانفعالاتها وما صدر عن تفاعلها [ 2 ] من الموجودات حيوان ونبات . وفحصوا عن خواص النبات وتركيب أعضاء الحيوانات فمجدوا الله وتحققوا بمخلوقاته انه قادر حكيم عظيم [ 3 ] . إلَّا انهم رأوا ان النفس تهلك بهلاك الجسد وان لا بقاء لها بعده . واما الإلهيون فهم المتأخرون من حكماء يونان مثل سقراط وهو شيخ أفلاطون . وأفلاطون شيخ ارسطوطاليس . وأرسطو هو مرتّب هذه العلوم ومحرّرها ومقرّر قواعدها ومزيّن فوائدها ومخمّر فطيرها ومنضّج قديرها [ 4 ] وموضّح طرق الكلام وتحقيق قوانينه والرادّ على الدهرية والطبيعية والمندّد عليهم والقائم بإظهار فضائحهم . وهذّب كلام أفلاطون وسقراط وحقّقه ونمّقه ورتّبه فجاء كلامه أبضع [ 5 ] كلام وأحكم معاني . وكل من نقل كلامه من اليوناني إلى لغة أخرى حرّف وجزّف وما أنصف . وأقرب الجماعة حالا في تفهّمه الفارابي وابن سينا فإنهما تحمّلا علمه على الوجه المقصود . وأعذبا منه لوارد منهله المورود [ 6 ] . وكان لأرسطو ابن أخ اسمه ثاوفريسطس وهو أحد تلاميذه الآخذين الحكمة عنه وهو الذي تصدّر بعده للاقراء بدار التعليم . وكان فهما عالما مقصودا لهذا الشأن . وقرئت عليه

--> [ 1 ] - أفعال ر أحوال . [ 2 ] - تفاعلها ر تفاعليها . [ 3 ] - عظيم ر عليم . [ 4 ] - قديرها ر قديدها . [ 5 ] - أبضع كلام . يروى بعده : وأسدّ نظام . [ 6 ] - المورود ر الورود .